ابن عربي

381

الفتوحات المكية

بعض الألفاظ من التشبيه فنقول ما وقفت مع الظاهر فإنه ما جاء الظاهر بالتشبيه لأن المثل وكاف الصفة ليستا في الظاهر فما ذلك الخطاء في المسألة إلا من التأويل واللفظ إذا كان بهذه النسبة مع اللفظ الصريح الذي لا يحتمل التأويل كان إذا قرنته به بمنزلة الميتة من الحي فلما لم نجد من الشارع مانعا من الانتفاع بقينا على الأصل وهو قوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا ولم يفصل طاهرا من غير طاهر فلا نحكم بطهارته وإن انتفعنا به لا إذا دبغ فهو إذ ذاك طاهر واعتباره أن اللفظ الوارد من الشارع المحتمل فنحكم بظاهره ولا نقطع به إن ذلك هو المراد فإذا اتفق أن نجد نصا آخر في ذلك المحكوم به يرفع الاحتمال الذي أعطاه ذلك اللفظ الآخر طهر ذلك اللفظ الأول من ذلك الاحتمال وكان له هذا الخبر الثاني كالدباغ لهذا الجلد فجمعنا بين الطهارة له في نفسه وهو صرفه بالخبر الثاني إلى أحد محتملاته على القطع وانتفعنا به مثل ما كنا ننتفع به قبل أن يكون طاهرا من حيث انتفاعنا به لا من حيث انتفاعنا به من وجه خاص فإنه قد يكون ذلك الخبر يصرفه عن الظاهر الذي كنا نستعمله فيه إلى أمر آخر من محتملاته فلهذا قلنا من حيث ما هو منتفع به لا من حيث ما هو منتفع به في وجه خاص إذ كان غيرنا لا يرى الانتفاع به أصلا ( باب في دم الحيوان البحري وفي القليل من دم الحيوان البري ) اختلف العلماء رضي الله عنهم في دم الحيوان البحري وفي القليل من دم الحيوان البري فمن قائل دم السمك طاهر ومن قائل إنه نجس على أصل الدماء ومن قائل إن القليل من الدماء والكثير واحد في الحكم ومن قائل إن القليل معفو عنه والذي أذهب إليه أن التحريم ينسحب على كل دم مسفوح من أي حيوان كان ويحرم أكله وأما كونه نجاسة فلا أحكم بنجاسة المحرمات إلا أن ينص الشارع على نجاستها على الإطلاق أو يقف على القدر الذي نص على نجاسته وليس النص بالاجتناب نصا في كل حال فيفتقر إلى قرينة ولا بد فما كل محرم نجس وإن اجتنبناه فما اجتنبناه لنجاسته فإن كونه نجاسة حكم شرعي وقد يكون غير مستقذر عقلا ولا مستخبث ( وصل اعتباره في الباطن ) الحكم على الشئ الذي يقتضيه لنفسه لا يشترط فيه وجود عينه ولا تقدير وجود عينه فسواء كان معدوم العين أو موجودا الحكم فيه على السواء سواء كان بطهارته أو عدم طهارته فلا يؤثر كونه في علم الله أو كونه موجودا في عينه ألا ترى إلى الممكن قد رجح المرجح وجوده على عدمه أو عدمه على وجوده ومع ذلك ما زال عن حكم الإمكان عليه وأن الإمكان واجب له لذاته كما إن الإحالة للمحال واجبة له لذاته كما إن الوجوب للواجب واجب له لذاته فينسحب معقول الوجوب على الواجب لنفسه وكذلك حكم الممكن والمحال لا يتغير حكمه وإن اختلفت المراتب ( باب حكم أبوال الحيوانات كلها وبول الرضيع من الإنسان ) اختلف أهل العلم في أبوال الحيوانات كلها وأرواثها ما عدا الإنسان إلا بول الرضيع فمن قائل إنها كلها نجسة ومن قائل بطهارتها كلها على الإطلاق ومن قائل إن حكمها حكم لحومها فما كان منها أكله حلالا كان بوله وروثه طاهرا وما كان منها أكله حراما كان بوله وروثه نجسا وما كان منها لحمه مكروها أكله كان بوله وروثه مكروها ( وصل اعتباره في الباطن ) الطهارة في الأشياء أصل والنجاسة أمر عارض فنحن مع الأصل ما لم يأت ذلك العارض وهذا مذهبنا فالعبد طاهر الأصل في عبوديته لأنه مخلوق على الفطرة وهي الإقرار بالعبودية للرب سبحانه قال الله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية إن الله لما خلق آدم قبض على ظهره فاستخرج منه كأمثال الذر فأشهدهم على أنفسهم وكذلك العلم طاهر في تعلقه بمعلومه فمهما عرض تحجير من الحق في أمر ما وعلم ما وقفنا عنده وكذلك الحياة لذاتها طاهرة مطهرة وكل ما سوى الله حي فكل ما سوى الله طاهر بالأصل فباسمه القدوس خلق العالم كله وإنما قلنا كل ما سوى الله حي فإنه ما من شئ والشئ أنكر النكرات إلا وهو يسبح بحمد الله ولا يكون التسبيح إلا من حي وإن كان الله قد أخذ بأسماعنا عن تسبيح الجمادات والنبات والحيوان الذي لا يعقل كما أخذ بأبصارنا عن إدراك حياة الجماد والنبات إلا لمن خرق الله له العادة كرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حضر من أصحابه حين أسمعهم الله تسبيح الحصى فما كان خرق